السيد محسن الأمين
268
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الأول والرابع قد نص عليهما فيما تقدم لم يحتج إلى إعادتهما ونص على الثالث بقوله : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) وسمى المهر هنا اجرا كما سمى المهر في الدائم صداقا وبين حكم هذا المهر بأنه يجوز الحط منه بالتراضي ثم بين حكم الرابع بقوله : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ) ( إلى قوله ) ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ( إلى قوله ) ( ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) وبذلك تم الكلام على جميع أقسام النكاح فأين هو البتر الذي يحصل في الكلام واختلال النظم لو أريد بهذه الجملة المتعة لو كان يعقل ما يقول فظهر انه لا شيء من أدب البيان ولا نظم الآية يأبى ذلك بل الأمر بالعكس فان حملها على الدائم وحمل الأجور على المهور يوجب التكرير بلا فائدة كما يأتي عن حكاية الإمام الرازي فان الدائم قد تقدم بقوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ والمهور بقوله وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ والمهر في الدائم يجب بالعقد لا بالاستمتاع فلا يصح جعل فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ لبيان مهر الدائم بخلاف المتعة فان المهر لا يجب إلا بالاستمتاع هذا الذي ينافي أدب البيان ونظم الآية ولو كان في دعوى نزولها في المتعة ما يوجب ما ذكره لتفطن له العلماء السالفون وردوا به على القائلين بحليتها فإنهم قد تشبثوا في ردهم بكل رطب ويابس إلا أن يكون قد اهتدى في آخر الزمان إلى ما لم يهتد اليه علماء الصحابة والتابعين وباقي علماء المسلمين ( فكم ترك الأول للآخر ) كما ظهر انه ان أريد بهذه الجملة المتعة لم يبق الكلام في أصل النكاح أبتر - وان صورت له مخيلته ذلك تمحلا وتعنتا - بل دعواه هذه بتراء نكراء . ولم يكن قد عجل ليرضي شيعة علي - التي تفتخر بأنها شيعته ، كما عجل موسى تركستان إلى البهت والسخرية بغير حق ليرضي هواه . ولا عجلة موسى بن عمران . وانه لا يلزم من حمل الآية على المتعة قطع كلام قبل إتمامه ولا طفرة عصفور ولا وثبة ليث هصور . وما أذن الله تعالى فيه لا يسوغ لذي دين ان يعبر عنه بعبارات السخرية والاستهزاء . والمتعة مما أذن الله تعالى فيه بالأدلة القاطعة سواء أسماها - بادبه - سفاد عصفور أم ملك بأعلى القصور فالأحكام الشرعية لا تثبت ولا تنفى إلا بالدليل لا بمثل هذه الكلمات التي لا تشين إلا قائلها . وان قوله ويطيل الكلام في أجر السفاد ما هو إلا اعتراض على الله تعالى وتهجين لكلامه وسخرية من أحكامه ولا يكون مثل هذا الكلام كلام عاقل ولا متدين ولا كلا له شان ولا كلام من يعرف شيئا من أدب البيان وأي كلمة يمكن أن تكون أضيع من آية يتلاعب بها على مقتضى هواه ويحملها على مشتهاه . وحفنة بر وكف شعير هي كتعليم السورة قد جاءت بها صحاح الأخبار كما يأتي وجوزها الشارع مهرا لهما والشرع جاء ببيان حكم الخطير والحقير وقد حكى هو فيما مر انه قيل لعمر كانت المتعة رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث فقال فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وان تمحل له هناك بأنه كان ينعقد دائما لكنه يكفينا كون الدائم يكون بقبضة فابرازه بمعرض السخرية ما هو إلا استهزاء باحكام الله ( فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) وآية ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) يأتي الكلام عليها . وما حكاه عن هشام بن الحكم بيان شاف واف تام لا بيان أتم منه موضح للحكمة البالغة في أحكام الشريعة الإسلامية ومبين انها ارقى الشرائع وأسماها وأشدها قمعا لمادة الزنا والفجور بحيث لا تدع مجالا لمرتكبه إلا أن يكون لا يبالي بمعصية الله ويختارها عفوا مقدما للحرام على الحلال وللفجور 268 على العفاف . وهذا البيان كسائر بيانات الشيعة وفرائد علومهم التي ورثوها عن أهل بيت الوحي ومعادن العلم لا يصل إليها هو ولا من فوقه وابرازه لها في معرض النقد والعيب لا يضرها . فكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم وفلسفته التي زخرفها ردا على ما قاله هشام بان حمل ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ ) على النكاح إلى أجل يحرف القرآن ويخل بنظم الآية ويبطل ترتيب البيان قد ظهر مما مر في الأمر الرابع انها فلسفة مزيفة لم تكن إلا هباء منبثا وجفاء مجتثا وتحريفا لكلام الله عن مواضعه . ( خامسا ) إذا ورد لفظ الاستمتاع في آية في الانتفاع الدائم في الحياة الدنيا فهل يجب ان يكون كل لفظ استمتاع كذلك ؟ على أن الذين اذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ليس كلهم كان استمتاعهم بها دائما ويأتي في أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما التعبير عن المتعة بالاستمتاع ففلسفته هذه واهية باردة . ( سادسا ) معنى محصنات . متزوجات غير زانيات أو عفائف غير زوان . ومعنى محصنين غير مسافحين متزوجين غير زانين أو أعفة غير زناة كما قاله المفسرون وهو الذي يظهر من اللفظ . وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ . وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ أي أخلاء في السر لأن الرجل منهم كان يتخذ صديقة فيزني بها والمرأة تتخذ صديقا فيزني بها وعن ابن عباس كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي منه فنهى الله عن الزنا سرا وجهرا بقوله : ( الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) * فمعنى غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ غير زانيات لا سرا ولا جهرا وبذلك ظهر حال هذا الرجل في استدلالاته ، وظهر كذب قوله نكاح المتعة لا إحصان به . المتعة فيها سفاح ماء غي غير حرث . المتعة اتخاذ خدن في كلا الطرفين وترتيبه على ذلك انها حرام بنص القرآن هذا القياس أو الأقيسة التي رتبها من الشكل الأول لا ينقصها في صحة الاستدلال بها إلا أن الصغريات فيها كاذبة . الإحصان النكاح بعقد صحيح ومن الذي قال لك المتعة لا إحصان فيها . السفاح الزنا مقابل النكاح الصحيح ومن أخبرك ان المتعة سفاح والأخدان الأصدقاء ومن اين علمت أن المتعة اتخاذ أخدان في كلا الطرفين هذا نموذج من علم هذا الرجل واحتجاجه بعين لدعوى ، حكى الفخر الرازي في تفسيره عن أبي بكر الرازي انه استدل على أن ليس المراد من الآية نكاح المتعة بان قوله غَيْرَ مُسافِحِينَ سمى الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح . والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكانت سفاحا . وأجاب الفخر الرازي عن ذلك بان المتعة ليست كذلك فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله فان قلتم المتعة محرمة فنقول هذا أول البحث فلم قلتم ان الأمر كذلك فظهر ان هذا الكلام رخو اه . كما ظهر كذب قوله : المتعة سفاح ماء في غير حرث فان السفاح هو الزنا والمتعة إذا كانت حلالا فمن يسميها سفاحا مفتر على الله ورسوله . وهي قد تكون في حرث يقصد به النسل وقد لا تكون كذلك كالنكاح الدائم للولود والعاقر وكذب قوله هي اتخاذ خدن في كلا الطرفين فالمراد بالأخدان كما عرفت الأصدقاء في السر لأجل الزنا والمتعة نكاح بسنة الله ورسوله فجعلها زنا رد على الله ورسوله وادعاء انها حرام بنص القرآن الكريم افتراء على القرآن الكريم : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) .